منذ ثورة 26 سبتمبر 1962م وبلادنا لا تزال رهن الفترات الانتقالية ودون حتى فتور أو انتقال.. نخرج من فترة انتقالية لندلف فترة انتقالية جديدة.. وهكذا دواليك!
فترة وراء فترة.. وانتقالية في (جحر) انتقالية.. وبالرغم من اختلاف الظروف الزمانية والمكانية وحتى الظروف الشخصية إلا أن الفترات الانتقالية تبقى الأطغى والأسرع حضوراً كطاهش الحوبان، وتظل الأعلى باعاً وشموخاً كطائر الفينيق أو وحش العنقاء لا تتبدل ولا تتزحزح!!
تتغيّر أنظمة ويتغيّر رؤساء وتسقط رؤوس وتتبدل عمائم.. تتلوّن وجوه وتتنوع أيادي.. ومع ذلك لا يزال الشعب اليمني يرزح تحت نير الفترات الانتقالية المتكاثرة والمتوالدة باضطراد أرنبي لا ينقطع أو يتوقف!!
فمثلاً، الرئيس السلال قاد الفترة الانتقالية للنظام الجمهوري الطريّ والطازج وقتئذ، حينها استكثر البعض مسألة انتقال الحكم من رقبة شخص خلقه الله موظفاً بدرجة إمام إلى ذمة رجل من عامة الشعب وتحديداً (إبن حداد) استطاع أن يصل إلى ضابط عسكري في جيش الإمام الحافي، ثم خدمته الظروف ليغدو رئيساً لجمهورية جديدة لنج!!
وكأن البعض هنا رأى صعوبة انتقال الحكم من فئة عليا إلى فئة دنيا ودون فواصل أو تدرّج، وكأنه لا ينبغي الانتقال مباشرة من (سيّد) إلى (عسكري) ومن (آل البيت) إلى (نافخ كير) ومن (العمامة) إلى (البريه أو الكوفية)! وذهب هؤلاء الطائفيون والعنصريون إلى حتمية وجود فترة انتقالية وسيطة بين المرحلتين، فجاء القاضي الإرياني رئيساً متوّجاً بـ(القاوق) ومشدوداً بـ(التوزة) ليقود فترة انتقالية جديدة عنوانها "إذا اشتط السيّد رقّعوه بفقيه"!!
غير أن هذا الترقيع لم يدم طويلاً؛ إذ سرعان ما عاد الحكم لـ(العسكر) بعد فترة نعاس مدني –إن صحّ التعبير- فجاء الرئيس إبراهيم الحمدي من واقع اجتماعي مزدوج يجمع بين (القضاة) والعسكر –رغم أن الأولى فئة والثانية وظيفة- ولذلك فقد قاد فترة انتقالية نقلت كرسي الحكم من المدنية إلى العسكرية رغم أنه كان الأوحد بين الرؤساء من حاول إرساء قواعد الدولة المدنية، وتولى أصدق عملية تصحيحية أفضت إلى تصفيته على أيدي أقرب رفاقه الذين اقترفوا بقتله أبشع جريمة في حق الشعب لم تنمح آثارها حتى اللحظة!!
ثم جاء الرئيس أحمد الغشمي ليقود فترة انتقالية جديدة لم تقف عند بيادات العسكر، وإنما صنعت أول تزاوج عرفي بين العسكر والقبيلة! وعقب مقتل الغشمي تولّى الرئيس علي عبدالله صالح مقاليد الحكم لينتقل بذلك الزواج العرفي ويصبح زواجاً كاثوليكياً بين العسكر والقبيلة ثم المنطقة ثم القرية ثم العائلة والفرد الواحد!!
ولعل (صالح) أكثر من استهلك رداء الفترة الانتقالية؛ فبالرغم من أنه طلب الرئاسة لفترة انتقالية لا تتجاوز أسبوعاً واحداً حتى يتمكن من الثأر لمقتل الغشمي، ولعله حتى الآن لم ينجح في تحقيق هدفه الاستراتيجي ذاك طيلة (33) عاماً ثأرياً، لكنه نجح بامتياز في الإبقاء على حياة وروح الفترة الانتقالية أطول فترة ممكنة حتى قرر نقلها إلى أيادٍ أمينة!! وكان بين الحين والآخر يفصّل جلابيب انتقالية وأكواتاً ومشدّات انتقالية على مقاسه وعائلته فقط.. تارة بإسم (المجلس التأسيسي) وتارة بإسم الديمقراطية وتارة تحت يافطة الضغط الشعبي الأبي الذي كان يأبى أن يمنح (صالح) مجرد استراحة مؤقتة من الحكم!! ثم استغل حدث الوحدة ليقوم بفرمتة سابقة للفترات السابقة ويتولى فترة انتقالية وحدوية ما لبثت أن تحولت عقب حرب صيف 94م إلى فترة انتقالية جديدة بغطاء الشرعية المسلحة!! والأغرب من ذلك أنه كان في كل مرحلة انتقالية يعبث أشد العبث بالمسمى (دستور) والمدعوة (قوانين)!!
طبعاً جميع رؤسائنا أبرياء وغلابى كونهم أبلوا بلاءً حسناً في سبيل بقاء وتقدم وازدهار الفترة الانتقالية، رغم تعاظم التضحيات الجسيمة والخسائر الجمّة لتحقيق ذلك، فقد انتهت جيوش ومعسكرات بأكملها وتعرض عدد من الزعماء للاغتيال بينما ظلت الفترة الانتقالية باقية وفي الحفظ والصون حتى اللحظة وما بعد اللحظة!
ولكم أن تتخيلوا أن كثيراً من هؤلاء الزعماء إن لم يكن جميعهم كانوا بمثابة فدائيين في خدمة الشعب، وطوال نصف قرن من الزمن لم يتمكنوا من التمتع بملذات السلطة لأنه لم يكن هدفهم الاعتلاء على عرش هذه السلطة وإنما كان همهم الأوحد والأهم هو فقط نقل هذه السلطة إلى الشعب!!
صحيح أن هذه السلطة لم تصل حتى الآن إلى الشعب، لكن مصيرها في النهاية أن تصل للشعب. وإذا لم تصل إلى الجيل الماضي أو الحاضر فقد تصل إلى جيل المستقبل، أو حتى جيل ما بعد المستقبل.. المهم أنها تصل في النهاية. وحتى إذا لم تصل إليهم فيكفي أن زعماءنا بذلوا فوق قصارى جهدهم لنقل هذه السلطة إلينا، فهم قد بذلوا الأسباب والنتائج على الله، وكما يقال "نية المؤمن ولا عمله"!!
*الشعب يريد إسقاط الفترة الانتقالية
ربيع الثورات الشعبية الذي رفع شعار (إسقاط النظام) هو الآخر سقط في وهدة الفترة الانتقالية التي كادت رياحها أن تعصف بالثورات وتنسف بأم (التغيير المستجد) الذي لا يزال يحبو على أربع وأحياناً يزحف على بطنه وقد ينقلب على عقبيه!!
وخلال أكثر من نصف قرن ونحن نراوح أماكننا بمعية هذه الفترة الانتقالية المستدامة والمتجددة..
فترة انتقالية عند كل منعطف وفي كل منحنى.. وقت الحرب أو السلم.. أثناء المؤامرات الخارجية أو الحروب الداخلية.. حين النجاح المزعوم والفشل المحقق..
فمثلاً أسسنا فترة انتقالية بعد مغادرة الإمامة والاستعمار.. وعِملنا فترة انتقالية بعد قيام النظام الجمهوري.. وأنشأنا فترة انتقالية أثناء الصراع بين الرأسمالية الغربية والشيوعية الشرقية.. بين الإمبريالية والليبرالية وبينهما البروليتاريا المطحونة.. بين اليمين واليسار.. بين أرباب الإلحاد ووكلاء الرب.. بين أبناء مطلع وعيال منزل وأولاد الوسط والمنتصف.. بين التقدميين والرجعيين.. بين الطغمة والزمرة.. بين الشوافع والزيود.. بين الشمال والجنوب.. بين السنة والشيعة.. بين فرسان فارس ومماليك المملكة.. بين أنصار الله في صعدة ونصارى أمريكا في اليمن.. بين متسولي الدول الصديقة وشُقاة الدول الشقيقة!!
لقد باتت (الفترة الانتقالية) لعنة أكبر من لعنة (تشكيل اللجان).. وكأن هذه الفترات الإنتقالية أشبه بحكم قضائي بات ونافذ ونهائي وغير قابل للطعن أو للاستئناف، بل هي أشد من الأحكام النهائية؛ لأن كثيراً من هذه الأحكام لم تجد طريقها للتنفيذ منذ سنوات أو عقود، بينما يتم تنفيذ الفترات الانتقالية عند كل وقت وفي كل حين.. بهذا الوجه أو بالثاني!!
غدت (الفترة الانتقالية) قدرنا المحتوم سواء جاءت الجمهورية أو سارت الملكية.. سواء عملنا ثورة أو فعلنا ثورة مضادة.. سواء صعد رئيس أو تنازل أو مات أو قُتل أو أُسقط أو خُلع!
صنعنا ثورة عسكرية فأنتجت فترة انتقالية.. أقمنا ثورة سلمية فولدت فترة انتقالية.. وافقنا على مبادرة للتسوية فأفقنا على فترة انتقالية.. جلسنا على طاولات الحوار الوطني لتقوم فترة تأسيسية أكثر تطاولاً على إرادة الشعب!!
هربنا من تأبيد الفترة الانتقالية في سنحان وما حولها لنقع في تأبين الفترة الانتقالية لأبين وأبنائها!!
يبدو أنه لا مفر من الفترة الانتقالية سواء مع الوحدة أو الفيدرالية أو حتى الانفصال.. نتحارب أو نتحارم.. نتحاور أو نتناحر.. نتوحد أو نتآحد (نصبح آحاداً).. ما فيش فائدة؟ كل الطرق والمسالك تؤدي إلى روما الانتقالية!!
لكل مشكلة حلّ، ولكلّ حلّ فترة انتقالية ولكل فترة انتقالية فترة انتقالية أخرى!! وإذا كان ولا بد من فترة غير انتقالية فبإمكانك تسميتها بـ"فترة تأسيسية" أو "مرحلة "توافقية" أو وفاقية أو حتى فوقية، لكن في النهاية لم ولن ننتقل من المرحلة الانتقالية الذي يتم ترحيلها معنا من المهد إلى اللحد ومن جيلً إلى جيل!!!
هذا يضحك على ذقوننا بالفترة الانتقالية وذاك يلعب بنا في أرجوحة الفترة الانتقالية، والآخر يرقص مع ثعابينه فوق رؤوسنا على أنغام الفترة الانتقالية!! يتداولون بنا كالدمى المتحركة.. من شالط إلى مالط إلى قبّاض الأرواح (كما يقال)!
ليس إذاً ثمة مخرج من براثن الفترة الانتقالية سوى بالانتقال النهائي من هذه الفترة الانتقالية والقضاء عليها نهائياً ومحوها من قواميسنا السياسية!
المقالات الاقدم:
- صورة لحسين الأحمر في كتاف تثير جدلاً واسعاَ.. وأنباء عن وصول شقيقه صادق الى الرياض بشكل سري - 2013/11/17
- جلسة سرية لمحاكمة الفتاة السعودية التي فرت إلى اليمن (تفاصيل) - 2013/11/17
- رونالدو يغيب عن حفل الكرة الذهبية احتجاجا على الانحياز لميسي وريبيري - 2013/11/17
- 23 نوفمبر انطلاق بطولة الرئيس الدولية للشطرنج بصنعاء - 2013/11/17
- اختتام دورة لضباط فحص المنشطات بالمحافظات - 2013/11/17
أحدث المقالات - من جميع الأقسام:
مقالات متفرقة:
المقالات الأكثر قراءة:
- منظمة الصحة العالمية : 10 آلاف قتيل و60 ألف جريح حصيلة حرب اليمن - 2018/12/10 - قرأ 127283 مرُة
- اليمن .. معركة جديدة بين قوات هادي والحراك الجنوبي في شبوة - 2019/01/09 - قرأ 26978 مرُة
- غريفيث لمجلس الأمن: هناك تقدماً في تنفيذ اتفاق استوكهولم رغم الصعوبات - 2019/01/09 - قرأ 26262 مرُة
- إقرأ صحيفة اليقين الإلكترونية - 2013/11/04 - قرأ 22440 مرُة
- تبادل عشرات الأسرى بين إحدى فصائل المقاومة اليمنية والحوثيين في تعز - 2016/06/01 - قرأ 20713 مرُة



